Hivos International

التمويل الأجنبي لعمليات التحول الديمقراطي في تشيكيا وسلوفاكيا: أي دروس للعالم العربي؟

مع  تفجّر حكومات أوروبا الوسطى والشرقيّة المتسلطة من الداخل عقب العام 1989، أصبحت  المنطقة قبلة لشتّى أنواع المساعدات التي بذلتها الجهات المانحة الغربيّة العامة  والخاصة التي تتخذ من الولايات المتحدة وكندا وأوروبا واليابان مقرّاً لها. وغداة  تغيّر الأنظمة في الجمهوريّتين التشيكيّة والسلوفاكيّة، بادرت الجهات المانحة في  الدول الغربيّة إلى إنشاء مشاريع جديدة لتقديم الهبات مع مراعاة عمليّة إرساء  الديمقراطيّة وهي بادرة اكتسبت زخماً حين شارفت الدولتان على الاندماج في الاتحاد  الأوروبي ومنظمة حلف شمال الأطلسي. تمثّلت المساعدة بهبات ماليّة بلغت قيمتها  مليارات اليوروهات وتخطتها إلى تعزيز المهارات والاتصالات والمشاركة في الشبكات  الدوليّة. رست هذه الهبات في أحضان الحكومات وأفاد منها طيفٌ واسعٌ من الفعاليّات  من غير الدولة ومنها الأحزاب السياسيّة ووسائل الإعلام والشركات ومجموعات  الناشطين/والمنظمات غير الحكوميّة والمؤسسات ومعاهد البحث. وعلى الرغم من اختلاف  أولويّات الجهات المانحة، هدفت المساعدة إلى دعم عمليّة التوجّه من اقتصاد ذات  تخطيط مركزي إلى اقتصاد سوق وتحويل النظام القانوني والسياسي من دولة الحزب الواحد  إلى ديمقراطيّة متعددة الأحزاب. شكّلت الانتخابات الحرّة والنزيهة وتدابير ضمان  حقوق الإنسان أولويّات في خلال الأشهر الأولى وهي سُرعان ما استتبعت بالرغبة في  الاندماج في المؤسسات الغربيّة لا سيّما منها الاتحاد الأوروبي والناتو.

 على  ضوء اختلاف أشكال الدعم وقنواته، وطبيعته الحديثة، باتت البيانات حول المساعدة  الأجنبيّة مجزأة تفتقر إلى دراسة شاملة تلحظ جميع تدفقات التمويل. وبالإضافة إلى  المال، وفّرت الجهات المانحة الدوليّة الخبرات وسهلّت التشبيك بين المواطنين  والمؤسسات في كل من تشيكيا وسلوفاكيا مع نظرائهم من الخارج، وهو ما يصعب قياسه.  وبدل السعي في سبيل الحصول على نظرة شاملة بشأن الموارد المستثمر فيها والمشاريع  المدعومة، تعالج هذه الدراسة النظرة إلى التمويل الغربي في المراحل الانتقاليّة  التي خاضها كلّ من تشيكيا وسلوفاكيا.

يتضح  اليوم من المخاض الانتقالي الذي يعيشه العالم العربي، ومن طفرة حملات التشويه  بالناشطين والمعوِّقات الإداريّة والقانونيّة في وجه التمويل الأجنبي للمنظمات غير  الحكوميّة، وجود حساسية مفرطة ومنحى إلى تسييس "التمويل الأجنبي" في حقبة الانتقال  السياسي الهشّة. وتفيد المقارنة بين التجربتين التشيكيّة والسلوفاكيّة من جهة  والحقبة الانتقاليّة في العالم العربي من جهةٍ أخرى، بأنّ التجربتين السالفتين هما  قيّمتان بالنسبة إلى الجهات المانحة وتُعالجان "حسنات وسيئات" المساعدة على  الديمقراطيّة.

 شهدت  المنطقتان تدفقاً من التمويل ومنافسةً محليّةً شديدةً لتقاسم هذا التمويل؛ ناهيك عن  تفجّر المبادرات المحليّة في حقبة ما بعد تغيير النظام؛ ومنازعات ظرفيّة على  أولويّات التمويل واستدامة المشاريع وتأثيرها في السياسة. ولقد اصطدم الجانبان  بمعارضة  القوىالسياسيّة (لا سيّما منها الحكومات) والتي شعرت بأنّ المساعدة  الأجنبيّة تقوِّض سيطرتها على السلطة. ولكن في الوقت نفسه، يُلاحظ وجود اختلاف شديد  بين المناطق لناحية الحوافز الأساسيّة والمقاربات التي تهتدي بها الجهات المانحة:  ففي حين اتخذت دول أوروبا الشرقيّة قراراً حاسماً في الانضمام إلى الغرب فوراً بعد  تغيير النظام، لا تُسجَّل في العالم العربي آفاق اندماج مماثلة. وفي حين طرأت  تغييرات على تفاصيل التمويل وحجمه وأولويّاته، لما تتبدل إستراتيجيّات الجهات  المانحة حيال الدول العربيّة بعد العام 2011 . واجهت دول أوروبا الوسطى شروطاً  عرضيّة ومؤقتة للحصول على تأشيرة دخول من بعض دول أوروبا الغربيّة وأفادت من آفاق  العضويّة في المؤسسات الغربيّة بطرقٍ عديدة. وعلى العكس من ذلك، وبعد مرور سنتين  على بداية الثورات، لا زالت الدول العربيّة تترقب وضع الأسواق وتتلقف التعهدات التي  قطعها الاتحاد الأوروبي في مطلع العام 2011. يُشكِّل تردد الغرب في تقديم ميزات  مؤسسية متبادلة مقروناً بتردد قادة العرب قبول الرعاية الغربيّة وجهي اختلاف شديدين  بين الظرف في العالم العربي والظرف في أوروبا الوسطى والشرقيّة مما يتيح أرضاً  خصبةً للشعبويّة والشعور المناهض للغرب. وفي حين يُمكن استقاء التجارب من  إستراتيجيّات المساعدة، إلاّ أنّه نظراً لغياب محاولة إلى تغيير دفّة السياسة  الأجنبيّة الغربيّة باتجاه المنطقة، يبقى مستبعداً أن تكون المساعدات الأجنبيّة  عنصر تغيير أساسي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

Related Publications

Tunisia’s Islamist-led government is in a tight spot. Tunisian voters are frustrated with the slow pace of government delivery, and Ennahda’s organisational head-start over other political formations is gradually narrowing. With Nidaa Tounes, an...

In Libya, political civil society is a novelty. Mostly banned under Muammar Gaddafi, non-governmental organisations (NGOs) have mushroomed in post-2011 Libya thanks to newly acquired freedoms. The influx of foreign donors to the previously...

The dignity revolutions in the Middle East and North Africa (MENA) are ‘political Big Bangs’ that have shocked and awed almost everyone in the world, including the revolutionaries themselves. The Knowledge Programme Civil Society...

At the height of the Gulf’s financial prowess and regional political clout, Europe faces the dilemma of how to engage with the ruling regimes without condoning their reactionary policies towards domestic reform. An undercurrent...

The issue of ‘foreign funding’ to local civil and political society, and the political agendas associated with it, remain a highly sensitive issue in the Middle East and North Africa (MENA) following the ‘Arab...

In the aftermath of Egypt’s revolution, controversies  over foreign funding to Egyptian civil society organisations (CSO) have  become even more politicised. This has resulted in the prosecution of a  number of international and Egyptian...

Literature on democratization rarely gives attention to the ‘big picture’. More often, scholars select one (or a few) key factors which are supposedly essential for democratization to take place or for a democracy to...

تتعرض الدراسة للإطار القانوني للتمويل الأجنبي في مصر، ووضعية هذا التمويل مع التطرق للتمويل السياسي وما يخص وسائل الإعلام فيه، وبعض المؤسسات المانحة الرئيسية في الحالة المصرية وطبيعة عملها. ثم تقدم الدراسة بناء على مجموعة من اللقاءات مع العاملين والدارسين والمستفيدين في المجال، لرؤيتهم لإشكاليات التمويل الأجنبي وأهم إيجابياته وسلبياته. وذلك بهدف تقديم رؤية لأهم الاستراتيجيات والمعايير على المستوى القانوني والسياسي التي يجب اتباعها والالتزام بها سواء من جانب الدولة، أو الجهات المانحة، أو المؤسسات المتلقية لهذا التمويل.